محمد بن جرير الطبري
145
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن مجاهد : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ قال : هذا في القبر مخاطبته وَفِي الْآخِرَةِ مثل ذلك . وقال آخرون : معنى ذلك : يثبت الله الذين آمنوا بالإيمان في الحياة الدنيا ، وهو القول الثابت ، وفي الآخرة : المسألة في القبر . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قال : لا إله إلا الله . وَفِي الْآخِرَةِ المسألة في القبر . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أما الحياة الدنيا ، فيثبتهم بالخير والعمل الصالح . وقوله : فِي الْآخِرَةِ أي في القبر . والصواب من القول في ذلك ما ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، وهو أن معناه : يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ، وذلك تثبيته إياهم في الحياة الدنيا بالإيمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي الآخرة بمثل الذي ثبتهم به في الحياة الدنيا ، وذلك في قبورهم حين يسألون عن الذي هم عليه من التوحيد والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم . وأما قوله : وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ فإنه يعني أن الله لا يوفق المنافق والكافر في الحياة الدنيا وفي الآخرة عند المسألة في القبر لما هدي له من الإيمان المؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قال : أما الكافر فتنزل الملائكة إذا حضره الموت ، فيبسطون أيديهم والبسط : هو الضرب يضربون وجوههم وأدبارهم عند الموت . فإذا أدخل قبره أقعد ، فقيل له : من ربك ؟ فلم يرجع إليهم شيئا ، وأنساه الله ذكر ذلك ، وإذا قيل له : من الرسول الذي بعث إليك ؟ لم يهتد له ولم يرجع إليه شيئا . يقول : وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ حدثني المثنى ، قال : ثنا فهد بن عوف أبو ربيعة ، قال : ثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن زاذان ، عن البراء ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر الكافر حين تقبض روحه ، قال : " فتعاد روحه في جسده " ، قال : " فيأتيه ملكان شديدا الانتهار ، فيجلسانه فينتهرانه ، فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : لا أدري ، قال : فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول : لا أدري ، قال : فيقال له : ما هذا النبي الذي بعث فيكم ؟ قال : فيقول : سمعت الناس يقولون ذلك ، لا أدري ، قال : فيقولان : لادريت قال : وذلك قول الله وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ، وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ وقوله : وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ يعني تعالى ذكره بذلك : وبيد الله الهداية والإضلال ، فلا تنكروا أيها الناس قدرته ولا اهتداء من كان منكم ضالا ولاضلال من كان منكم مهتديا ، فإن بيده تصريف خلقه وتقليب قلوبهم ، يفعل فيهم ما يشاء . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ يقول تعالى ذكره : ألم تنظر يا محمد إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً يقول : غيروا ما أنعم الله به عليهم من نعمه ، فجعلوها كفرا به . وكان تبديلهم نعمة الله كفرا في نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم ، أنعم الله به على قريش ، فأخرجه منهم وابتعثه فيهم رسولا ، رحمة لهم ونعمة منه عليهم ، فكفروا به ، وكذبوه ، فبدلوا نعمة الله عليهم به كفرا . وقوله : وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ يقول : وأنزلوا قومهم من مشركي قريش دار البوار ، وهي دار الهلاك ، يقال منه : بار الشيء يبور بورا : إذا هلك وبطل ؛ ومنه قول ابن الزبعري ، وقد قيل إنه لأبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب : يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور ثم ترجم عن دار البوار وما هي ، فقيل : جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ يقول : وبئس المستقر هي جهنم